تُعدّ مسألة الحرية إحدى أعقد الإشكاليات التي شغلت الفكر الفلسفي عبر العصور، فمنذ محاولات الفلاسفة الإغريق وحتى المدارس الحديثة ظل السؤال قائمًا: هل الإنسان حرّ في أفعاله أم أنه محكوم بالضرورة والحتمية؟ في هذا السياق يقدّم الفيلسوف الفرنسي هنري برغسون (1859–1941) مقاربة متميزة للحرية، ترتكز على فهمه العميق للنفس الإنسانية ومفهومه الخاص عن الزمن والوعي. في نصه عن “الفعل الحر” نجد طرحًا مختلفًا عن التصورات التقليدية، إذ يرى أن الحرية ليست مجرد وهم ولا تقتصر على الاختيار بين بدائل، بل هي انبثاق للفعل من الذات كاملة بحيث يعكس القرار أو العمل شخصية الإنسان في كليتها.

ينتقد برغسون اللغة النفسية التي تتعامل مع المشاعر كقوى منفصلة تثقل على الروح، فهو يرى أن كل شعور عميق يتضمن انعكاس الشخصية كلها، وبالتالي فإن القول إن الروح تحددت من خلال شعور معين لا يعني خضوعها لقوة خارجية، بل يعبر عن كونها قد حدّدت نفسها عبر هذا الشعور. من هنا تتجلى الحرية في الفعل الذي يعبّر عن الشخصية في وحدتها، لا في تراكم مؤثرات متفرقة.

الفعل الحر عند برغسون هو الفعل الذي ينبع من الأنا بكليتها ويعكسها بصدق في الخارج. الحرية ليست مطلقة كما تتصورها بعض النزعات الروحانية، لكنها درجات تقاس بمدى التطابق بين الفعل والذات الكاملة. لذلك فإن الغضب المفاجئ أو الدوافع الوراثية الطارئة أو حتى الإيحاء بالتنويم المغناطيسي قد يؤثر على السلوك لحظة، لكنه لا يعبّر عن الذات العميقة ولا يرقى إلى مستوى الفعل الحر.

أما عن التربية والعادات الاجتماعية، فيرى برغسون أنها لا تمثل بالضرورة قيدًا على الحرية، فإذا كانت هذه المؤثرات قادرة على الاندماج في أعماق الذات فإنها تصبح جزءًا منها وتُغنيها دون أن تلغي حريتها. غير أن الخطر يكمن حين تبقى هذه المؤثرات سطحية أو مفروضة من الخارج دون أن تتشربها الروح، عندها تظل دخيلة ولا تساهم في بناء الحرية الحقيقية.

ويؤكد برغسون أن الطبع الإنساني ليس ثابتًا، بل يتغير تدريجيًا مع مرور الأيام، وحريتنا تتأثر بهذا التغير. غير أن الشرط الأساسي لاعتبار التغير حرًا هو أن تنصهر المكتسبات الجديدة داخل الأنا بحيث تصبح جزءًا من كيانها، وإلا ظلت غريبة عنها. وعندما يتحقق هذا الاندماج يصبح التغير نفسه تعبيرًا عن الحرية.

في مواجهة النزعات الحتمية، يشير برغسون إلى أن الحتمي يلجأ إلى الماضي لتفسير الفعل أو إلى المستقبل لافتراض أنه محتوم، لكنه بذلك يتهرب من مسؤولية اللحظة الراهنة. أما الحرية الحقيقية فهي فعل الحاضر الذي يخرج من الذات في اكتمالها ويعبر عنها بلا انقسام. الحرية هنا ليست مجالاً للتذرع ولا للانقسام بين أنا تفكر وأخرى تفعل، بل هي وحدة متكاملة للوعي والشعور والفعل.

هكذا يعيد برغسون تعريف الحرية بوصفها مسؤولية أصيلة: مسؤولية أن نكون نحن أنفسنا في أفعالنا، وأن نصدر في خياراتنا عن ذاتنا الكاملة لا عن دوافع عارضة أو مؤثرات خارجية. الفعل الحر ليس سوى البصمة التي تتركها الروح على العالم، وكلما كان هذا الفعل أصدق تعبيرًا عن الذات كان الإنسان أكثر حرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *